محمد بن علي الشوكاني

4860

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

والعرفية فليست مما يثبت بمثله الأحكام الشرعية ، فإن تقييد النسخ بكونه مجرد الوجوب قد استلزم مع كونه خلاف الأصل ، والحقيقة دعوى تقييد قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " لا وصية لوارث " تقيد لم يتكلم به - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ، ولا دل عليه كلامه بوجوبه من وجوه الدلالة ، لا مطابقة ، ولا تضمنا ، ولا التزاما . وإذا لم يكن على هذا دليل لزم القائل بأن النسخ لوجوب الوصية للوارث لا لغير الوجوب أن يقول هذه المقالة في كل ناسخ ومنسوخ ، فيقول مثلا : إن النسخ للتوجه إلى بيت المقدس إنما هو نسخ للوجوب ( 1 ) ، فيبقى جواز استقباله أو ندبيته ، وهذا يستلزم صحة صلاة من توجه إليه ، وهو خرق للإجماع ، ومخالفة للعموم من الدين ضرورة . فإن قال : إنه قال ذلك في الوصية للوارث لما فهمه من قوله : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث " ( 2 ) فما باله لا يفهم مثل هذا في استقبال بيت المقدس ، فإن الله قد فرض على [ 4 ب ] كل مسلم استقبال الكعبة ، فلا استقبال لبيت المقدس ، دوران هذا دوران ذلك ، وهكذا يلزمه أن يحمل كل نسخ على الوجوب ، إلا ما وقع التصريح فيه بزيادة على ما صرح به قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " لا وصية لوارث " . فإن قال : أنا أخص ذلك بالوصية للوارث . فنقول له : ما الدليل على ذلك ؟ وما بال هذا الموضع كان قابلا لهذا منك دون غيره . فإن قال : قد ورد له نظير ، وهو صوم يوم عاشوراء ، فإن صومه مشروع مع كونه منسوخا بوجوب صوم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> ( 1 ) انظر " الناسخ والمنسوخ " لأبي جعفر النحاس ( 1 / 454 - 460 ) و " فتح الباري " ( 1 / 95 ) . " زاد المسير " " 1 / 135 " . ( 2 ) تقدم تخريجه .